محمد بن جرير الطبري

291

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لا يدفعون ولا ينكرون ان مولد إبراهيم كان في عهد الضحاك بن اندرماسب الذي قد ذكرنا بعض اخباره فيما مضى ، وان ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان الضحاك وقد قال بعض من أشكل عليه امر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهى اليه من الاخبار عمن روى عنه أنه قال : ملك الأرض كافران ومؤمنان ، فاما الكافران فنمرود وبختنصر ، واما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين وقول القائلين من أهل الاخبار ان الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود : هو الضحاك وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم باخبار الأوائل ، والمعرفة بالأمور السوالف ، كالذي ظن ، لان نسب نمرود في النبط معروف ، ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور ، ولكن ذوى العلم باخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السافلين من الأمم ذكروا ان الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنه ويسره ، وجعله وولده عماله على ذلك ، وكان هو يتنقل في البلاد ، وكان وطنه الذي هو وطنه ووطن أجداده دنباوند ، من جبال طبرستان ، وهنالك رمى به افريدون حين ظفر به وقهره موثقا بالحديد وكذلك بختنصر كان اصبهبذ ما بين الأهواز إلى ارض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب ، وذلك ان لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك ، مقيما بإزائهم ببلخ ، وهو بناها - فيما قيل - لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك ، فظن من لم يكن عالما بأمور القوم بتطاول مده ولايتهم امر الناحية لمن ولوا له انهم كانوا هم الملوك ولم يدع أحد من أهل العلم بأمور الأوائل واخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه ان أحدا من النبط كان ملكا برأسه على شبر من الأرض ، فكيف يملك شرق الأرض وغربها ! ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة باخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كتب التاريخات ، يزعمون أن ولايه نمرود إقليم بابل من قبل الازدهاق بيوراسب دامت أربعمائة سنه ، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود ، يقال